السيد كمال الحيدري
122
المعاد روية قرآنية
والقرآن صدّق الاثنين ؛ استناد الحوادث إلى أسبابها الطبيعيّة كما استنادها إلى الملائكة ، وليس لشئ من الأسباب استقلال بإزاء الله تعالى حين ينقطع عنه ، على ما ذهبت إليه الوثنيّة في تفسير تفويض الله تدبير الأمور إلى الملائكة المقرّبين . فالتوحيد القرآني ينفى الاستقلال عن كلّ شئ ، من كلّ جهة ؛ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً . « 1 » ويمكن توضيح الحقيقة المتقدمة القائلة ( إنّ الأشياء وإن كانت تستند إلى أسبابها القريبة إلا أنّ ذلك لا ينافي استنادها إلى الأسباب البعيدة وفى النهاية استنادها إلى الله سبحانه ) من خلال مثل وإن كان بعيداً من وجه وهو الكتابة يكتبها الإنسان بيده وبالقلم ، فللكتابة استناد إلى القلم ، ثمّ إلى اليد التي توسّلت إلى الكتابة بالقلم ، وإلى الإنسان الذي توسّل إليها باليد والقلم ، والسبب بحقيقة معناه هو الإنسان المستقلّ بالسببية من غير أن ينافي سببيته استناد الكتابة بوجه إلى اليد وإلى القلم . ثمّ إنّه لا ريب أنّ الله سبحانه وإن كان قادراً على فعل الإماتة مباشرةً ، بيدَ أنّ حكمته اقتضت في إطار النظام الأحسن الذي خلقه ، أن يجعل واسطة تكون مظهراً وآية لاسمه المميت . وبالجملة فإنّ قبض الروح من أىٍّ كان من أصناف الملائكة مرجعه واحد ، وهو الله تعالى كما ورد في تعبير الطباطبائي حيث يقول : « ثمّ إنّه سبحانه قال : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ فنسبه إلى ملك الموت ، وقال سبحانه : حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ( الأنعام : 61 ) فنسبه إلى الملائكة الرسل ، ومرجع الجميع واحد ؛ لما عرفت في
--> ( 1 ) التوحيد ، السيد كمال الحيدري ، مصدر سابق : ج 2 ص 389 375 .